ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

295

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

المناسبة بينه وبين عباده ، والحكم الأخر هو الذي به صحّت الربوبيّة الموجبة للمناسبة بينه وبين خلقه ، وبها أثّر في العالم الوجود ، وبها تأثّر بما يحدث في العالم من الأحوال ، وأين أنت عن واثق العرى وأقوى الروابط ؟ ! . قال تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] هل يمكن الرابط الوثيقة أقوى من المحبة من الجانبين ، وأيضا أن الحق هو الوجود والأشياء صور الوجود ، فارتبط الأمر ارتباط المادة بالصورة ، فلمّا كان الارتباط بين الأمر من مقتضى الجهتين فعلمنا أن كل واحد من الأمرين مرتبط بالآخر بارتباط حي الذي قائم بكل من الحق والخلق . قال تعالى : « أحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق لأعرف » « 1 » فكل واحد من المعارف والمعروف طالب ومطلوب . ومن أغرب الغرائب أن الحق محبّ محبوب ، والعبد محبوب محب ، ومن شأن المحبوب أن يبتلي ويتحكّم . قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [ البقرة : 249 ] . وقال اللّه تعالى في حديث مشهور عن عبده : « وما ترددت كترددي في قبض نفس عبد يكره الموت . . الحديث » « 2 » فالكل مبتلي هذا من مقتضى كمال الجمال والحب ، فافهم ، وتكتّم وعلى هذا يقتضي هذا الأصل الأصيل ، قلنا : لا يصح الوجود والإيجاد أصلا إلا عن أصلين الأصل الواحد : الاقتدار وهو الذي يلي جانب الحق ، والأصل الثاني : القبول وهو

--> ( 1 ) تقدّم تخريجه . ( 2 ) رواه الحكيم الترمذي في النوادر ( 2 / 232 ) ، وأحمد في مسنده ( 6 / 256 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 4 / 32 ) .